الشيخ محمد علي الأنصاري
172
الموسوعة الفقهية الميسرة
الثانية - دعوى أنّ الإيثار بالنسبة إلى شخص الإنسان نفسه مستحبّ وعليه تحمل النصوص المرغّبة ، وأمّا بالنسبة إلى من يعوله فلا ، وعليه تحمل النصوص المانعة . وربّما يشهد لهذا الحمل موثّقة سماعة ، قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل ليس عنده إلّا قوت يومه ، أيعطف من عنده قوت يومه على من ليس عنده شيء ؟ ويعطف من عنده قوت شهر على من دونه ؟ والسنّة على نحو ذلك ؟ أم ذلك كلّه الكفاف الذي لا يلام عليه ؟ فقال : هو أمران ، أفضلكم فيه أحرصكم على الرغبة والأثرة على نفسه ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ، والأمر الآخر ، لا يلام على الكفاف ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول » « 1 » . ويظهر من الرواية أنّ الإيثار لو كان بالنسبة إلى نفسه شخصا فهو مرغوب فيه ، وأمّا إذا كان بالنسبة إلى من يعول فلا ، والادّخار خير منه ، كذا قيل « 2 » . وقال الشهيد مشيرا إلى هذا الجمع : « وأفضل الصدقة جهد المقلّ ، وهو الإيثار ، وروي : " أفضل الصدقة عن ظهر غنى " ، والجمع بينهما : أنّ الإيثار على نفسه مستحبّ بخلافه على عياله » « 1 » . وربّما يظهر ذلك من الأردبيلي أيضا حيث قال في زبدة البيان : « إنّ الإحسان والبذل حسن ، وكذا الإيثار على نفسه ، بل عياله أيضا مع رضاهم ، كما دلّت عليه سورة هل أتى ، وقوله : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ، وكفى بذلك دليلا ، وفي العقل ما يؤيّده . نعم ، إن علم الحاجة بحيث يفوت معه الواجب أو الأولى لا ينبغي الإعطاء » « 2 » . الثالثة - دعوى حمل النصوص المجوّزة على الإيثار الذي لا يتضرّر به في بدنه ، وإن كان شاقّا عليه ، وحمل المانعة على ما كان مضرّا . قاله المحقّق القمّي في الغنائم « 3 » . الرابعة - دعوى اختلاف ذلك باختلاف
--> - على أبي عبد اللّه عليه السّلام . ( 1 ) الكافي 4 : 18 ، كتاب الزكاة ، باب الإيثار ، الحديث الأوّل ، وعنه في الوسائل 9 : 431 ، الباب 28 من أبواب الصدقة ، الحديث 5 . ( 2 ) نقل ذلك في هامش الكافي 4 : 18 عن الوافي . ويحتمل أن يراد من ذلك : أنّه عليه السّلام كان بصدد بيان أنّنا يمكن أن ننظر إلى الإيثار في هذه الموارد بمنظارين : الأوّل - بما أنّ ذلك إيثار على النفس ، فهو ممدوح . الثاني - بما أنّ ما عنده ليس إلّا بمقدار الكفاف ، فلا يلام على الاحتفاظ به والإنفاق على من يعوله ، وإذا أنفق ما عنده صار محتاجا وتصير يده سفلى بعد أن كانت عليا ، واليد العليا ، وهي الدافعة ، خير من السفلى ، وهي الآخذة . 1 الدروس 1 : 255 . 2 زبدة البيان : 384 . 3 الغنائم 4 : 398 .